الهدية: الشكّاك والمتحررة (الجزء الأول)
بداية اليوم بنشاط ليست معتادة
بالنسبة لشخص مثله فهو يعاني من التفكير الزائد ومريض بالشك، مما يجعل عقله ملئ
بالأفكار خاصة قبل النوم حيث يعيد كل أحداث اليوم ويحللها ويحلل شخصيات المشاركين
بها، ويحاول استخراج نواياهم بناء على تحليلاته وهل يجب الوثوق بهم أم الحذر منهم وتظل
الأفكار حتى يستسلم عقله للنوم ولكنه يأبى التوقف، فيظل يفكر حتى أثناء نومه .....
عقله هو عدوه الأول.
ولكن اليوم وعلى غير العادة أستيقظ
سيف بنشاط وقبل دقات المنبه بثواني معدودة فقد تكفلت ساعته البيولوجية بوظيفة
المنبه اليوم، مد يده وأغلق المنبه قبل حتى أن يبدأ بالصياح، التفت خلفه ليجد
زوجته وقد بدأت ساعتها البيولوجية باتخاذ نفس الأمر، تتقلب في نومها على وشك الاستيقاظ،
تقلب لينظر إليها أثناء نومها، أدمن سيف هذه العادة منذ الزواج على الرغم من أن
ناردين لا تتيح له هذه الفرصة إلا نادرا، ففي معظم الأوقات يستيقظون في نفس الوقت
علي صوت المنبه، أمعن النظر إليها ..... كم يحبها ..... كم هي جميلة ...... بل هي
الأجمل على الإطلاق ..... تذكر سيف كم المعاناة التي عاناها لكي يتزوجها حيث رفض
أهله و أهلها الزيجة من البداية و السبب واحد "إنتوا مش شبه بعض"، و لكن
كم من مرة خلق الاختلاف قصة حب عظيمة، فكر سيف و هو ينظر إليها، هل تستحق ناردين
كل هذه المعاناة، ليس فقط المعاناة التي واجهها مع أهله و أهلها كي يتزوجها و لكن
معاناته اليومية معها، قال في داخله "لا أشعر بالراحة، فكم من ذكر غيري يراها
جميلة مثلي، كيف أحافظ عليها، جمالها ليس المشكلة الوحيدة، بالعكس جمالها هو
المشكلة الوحيدة التي لا يمكنها تغييرها، و لكن عندما يمتزج الجمال مع التعامل
بتلقائية مع بعض من الحرية في اختيار الملابس تأتي المشكلة، كم من مرة تكلمت معها
بخصوص الملابس "أنا مش معترض علي هدومك، إلبسي اللي إنتي عايزاه يا ستي، بس
إسأليني الأول، عشان الموضوع معتمد على هنروح فين؟ هنروح إزاي؟ هنقابل مين؟ يعني
لو رايحيين السوق مافيش داعي نلبس حاجة مفتوحة، لكن لو سهرة أو حفلة إلبسي Dress وعليه Coat لحد أما نوصل وشيلي الـ Coat صعبة دي؟ متريحيني شوية، أنا مش بحجر عليكي ولا براظيكي، بس عارف
الناس بتبص إزاي، مش سهل عليا أبقى ماشي معاكي وشايف الرجالة بيبصوا عليكي، والموضوع
بقى بشع، وأنا مش هقف أتخانق في كل ناصية مرتين، و أكيد مش هتخانق و إنتي معايا،
فإيه لازمتها من أصله؟" اقتنعت لحظياً ولم تقتنع كلياً، وجهة نظرها أن
المجتمع فسد ولا يجب عليها أن تتقيد، بل يجب على المجتمع أن يتقبل تواجدها كما هي،
وخاصة إنها لا تتعمد الإغراء، وترتدي ملابسها بنفس الأسلوب منذ الصغر ..... شد وجذب
والنتيجة واحدة.
وكم من مرة حذرتها من التعامل بتلقائية “واحد بيكلمك،
إنتي عارفة هو عايز منك إيه؟ إنتي ست متجوزة يبقى لازم تحترميني وتحترمي وجهة نظري
وحكمي على الناس، أنا ببقى شايف إنهم مش كويسين من الأول، فاكرة محمود؟ قعدتي
تقوليلي محتاجلي وبيستشرني في حاجات كتير وبيحترم رأيي وبيثق في كلامي ومش هينفع
أسيبه غرقان في مشاكله ولازم أقف جنبه، وفي الآخر طلع وسخ ولما خلاص رايح أضربه
قولتيلي إهدي عشان خاطري بدل م يموت في إيدك وكده كده مش هتعامل معاه تاني، أنا
كده أستفدت إيه ولا منك قطعتي من الأول ولا منك سيبتيني أخد حقك في الآخر، بتتعاملي
بتلقائية مع عالم وسخة ليه؟ أنا أعرف نظرة الراجل ليكي عاملة إزاي من الأول وأقدر
أشوف غرضه منك أيه، فياريت تعملي أعتبار للي بقوله وتحترمي كلامي أكتر من
كده" اقتنعت لحظياً ولم تقتنع كلياً، وجهة نظرها أن حازم وإسلام وسيد وعلي
ليسوا محمود.
مأساة يعيشها سيف لوحده يومياً وأسبوعياً وشهرياً .....
يعشقها ولكن لا يشعر بالراحة ...... لا يشك بها ولكن يشك في كل من حولها، فالمجتمع
فعلا قد فسد والقيم والأخلاق والدين في أدني المستويات في التعاملات اليومية،
دوامة شكوك ومحاولات للحفاظ على ناردين، كل ذلك بجانب العمل ...... العمل ......
توقفت أفكار سيف، فيجب أن يتحضر للعمل، روتين الصباح، قام سيف وجلس على طرف السرير
فاستيقظت ناردين وبصوت ملائكي هادئ قالت:
= "صباح الخير يا حبيبي"
رد سيف
- "أحلي صباح على عيونك الحلوين، يللا يا كسولة
قومي"
ضربة خفيفة على المؤخرة لا تضر وخاصة إذا كانت مؤخرة
ناردين وعندما تستيقظ نشيطاً وفي مزاج جيد، فعلها وقابلت حركته بإبتسامة وقام
ليتحضر لروتينه الصباحي.
= " أنا إزاي مسمعتش المنبه؟"
- " صحيت قبل ميرن بمفيش، وقفلته قبل ميعلى"
= " إيه النشاط ده؟ تتحسد، كل يوم شغل بتصحى مضروب
جزمة على وشك"
- " والله مش عارف – فكر قليلا – فعلا مش عارف، بس
صاحي مبسوط، يمكن عشان الخميس وبكرة أجازة مثلا، م تيجي نخرج النهاردة؟ شوفي عايزة
أعزمك فين؟ إستغلي إني صاحي مبسوط، أي مكان يعجبك"
= " ماهو أكيد هنخرج النهاردة كده كده"
- " بقولك أيه؟ عشان حماسك و روقانك ده هفاجئك،
هنخرج خروجه رايقة، نقي الـdress اللي يعجبك و أنا هختار مكان رايق و محترم نتعشى
فيه"
= " بجد؟ - إتسعت حدقة عينيها فرحاً و لم تستطع
التحكم في فكيها ضد الجاذبية فأنفتح فمها لأقصى اتساع ممكن – و أكملت "أخيراً
هلبس الـ dress الأحمر"
رد متسرعا عندما
تذكر الـdress الأحمر و كم كان مغفلا عندما قال "شكله
سيكسي عليكي فشخ" و حاسب عليه.
- " مش أوي كده، بلاش الأحمر، هتبقي عريانة
تقريبا"
إنهارت تعابير وجهها وعاد فكها للعمل فأنغلق فمها ولاحظ
سيف، ولكن على الرغم من شكوكه في الناس وغيرته القاتلة على ناردين يبقى الحب هو
الدافع الأساسي في قراراته، فلا يستطيع أن يرفض لها طلباً، حتى لو لم تسمح الظروف
فأعتاد سيف أن يخلق لها ظروف جديدة مناسبة لما تريد، فأستطرد:
- " بقولك أيه؟ كده كده مافيهاش Low budget ، نخليها High budget عشان خاطر الـdress الأحمر ، يللا، إن شالله
محد حوش يا ستي"
قامت وجرت في إتجاهه وفي أقل من لحظة لحقت به عند باب
الحمام حيث قال جملته وأصبحت في أحضانه تقبله قبلة عنيفة مليئة بالحماس، توقفت
القبلة بعد بضعة ثواني، ظل محتضنها، نظرت إلى عينيه بكل ما تحمله كلمة حب وفخر من
معاني قائلة:
= "بحبك يا واد"
- " بعشقك يا بت .... بس هلحق أجهز أنا عشان أكتر
من كده مش هنزل ولو مرحتش الشغل ......."
قاطعته واضعة يدها على فمه وقالت مازحة:
= " هشششششش ....... إتفضل يا عدو الرومانسية يا
فاشل"
أزاح بيدها من على فمه مفتعلاً نظرات غضب مصطنعة
متسائلاً:
- "أنا فاشل؟"
كانت تعلم ماهو على وشك فعله فلم تتمالك نفسها من الضحك وحاولت
أن تفلت منه وتهرب مبتعدة ولكنه أحكم قبضته عليها ورفعها عاليا على كتفه وجري بها وألقاها
على السرير وأرتكز على يديه فوقها ليحجم حركتها، وسألها: "أنا فاشل؟"
ردت " أه فاشل ... بقولك بحبك تقولي الشغل .... فصلتني" قاطعها بقبلة وبعدها
سألها " أنا فاشل؟" ردت " أه فاشل .... عش ..... " قاطعها
بقبلة أطول وسألها "أنا فاشل؟" أوشكت على الرد ولكنه قاطعها بقبلة أطول استمرت
دقيقتان على الأقل، قالت له بصوت هادئ " هتترفد يا أسطى " أنفجروا ضاحكين،
سألها " أنا فاشل وعدو الرومانسية؟ أومال اللي بيقولوا هتترفد يا أسطى يبقوا
أيه؟ هتترفد يا أسطى؟ وأيه يا أسطى دي؟" بعد هدوء ضحكاتهم قالت " يللا
بجد، أنا عارقة إن غياب الخميس بيأثر على شغلك جامد"
فرد عليها " هييييح .... بس لنا لقاء" غمزت له
مازحة مرددة "هيييح ... لنا لقاء يا أسطى" فقال " بعد الشغل "
غمزة أخرى ورددت بإغراء " بعد الشغل يا أسطى " لم يستطع أن يرد سوى بـ
" هيييييح ".
قام وتوجه إلى الحمام مردداً بعض الطلاسم والتعاويذ لم
تسمع منها سوى " وش وش وش ...... أم مديري" إنفجرت في الضحك وعندما هدأت
قامت لتستخدم الحمام الآخر.
إنتهى من الإستحمام وخرج للغرفة ليكمل إرتداء ملابسه وكانت
هي قد إنتهت من ترتيب الغرفة وأعدت القهوة ........ كم هي جميلة ..... بل الأجمل
على الإطلاق، تحمسك لبداية يوم عمل شاق، نظيفة، مرتبة، والأهم من ذلك تجيد إعداد
القهوة .....
= " أنا نازلة النهاردة .... محتاجة أشتري حبة
حاجات"
- " طب م تستني أما أرجع تنزلي نجيبها في السريع ونطلع
نجهز ونخرج على طول"
يكره أن يتركها بمفردها، فكرة أن تسير بدونه عقله لا
يتقبلها من الأساس لكي يطمئن نسبياً، و كيف يقبلها عقله إن كان وجوده غير كافي في
بعض الأحيان لتجنب كلاب الشارع مع كامل التقدير و الاحترام للكلاب، فالكلاب
الحقيقية تحمي سكان الشارع و تتسم بالوفاء و لكن بعض البشر تدنوا لما هو أقل من
ذلك، مضايقات بالنظر و أحياناً لفظية خاصة لو كان قائلها في سيارة، يتمادى الشباب
و الرجال في النظر إليها حتى و هو معها، كان يتشاجر في البداية و لكنه يأس، فلن
يتشاجر في كل شارع و كل نزول من البيت ولا يحب من الأساس أن يتشاجر و هي معه حتى
لا يعرضها للخطر و مستحيل أن يحفظ مكان كل شخص ضايقها ليعود إليه ليتشاجر معه و
غالباً الذين يضايقونهم يدركون هذه المعلومات عن مجتمعنا فهم منه في النهاية،
فيتمادون دون خشية من العقاب أو الرد العنيف لأن من مع المرأة هو الأضعف و هي معه،
و لكن سيف لم ييأس من مبدأ الخروج نفسه مع بعض التعديلات، اختيار الشوارع الهادئة
بعيدا عن الازدحام، ممنوع دخول كثير من المحلات، التعامل مع الرجال فقط عند الحاجة
و على قدر الحاجة، ممنوع ركوب المواصلات العامة و استخدام الأبليكيشن المحترم
الوحيد فقط و يطلب هو لكي يتابع خط السير فكون الأبليكيشن محترم لا يضمن احترام
السائق.
= " مش هستنى عشان اليوم ميطرش، وعامة هاخد سمر
معايا وهنروح محل أنتيكا اللي في آخر الشارع، وهنتعامل مع البنت اللي واقفة في
المحل، مش صاحب المحل، ولو إتكلم هقفل كلام معاه وهنمشي على طول عشان إنت مش
بترتاحله".
مريض الشك ......
مجرم تفاصيل.
مريض الشك ......
مجرم تفاصيل.
لا تفوته تفصيلة فيمن حوله، وارد أن ينسي تفاصيل عن
حياته الشخصية ولكنه أبدا لا ينسى تفاصيل من حوله، وخاصة من يحب، ولكي تتعامل معه
يجب عليك إحتوائه وسرد التفاصيل وطمئنته بأستمرار، وهذا ما فعلته ناردين، وحاول
سيف إقناع نفسه وإسكات عقله ولكن عقله أبى الخضوع قبل محاولة أخيرة.
- “ يعني لو صاحب المحل إتكلم هيبقى نزول على الفاضي
..... م تستني أروح معاكي وهاتي كل اللي إنتي عايزاه"
= " متقفلنيش بقى و إحنا صاحيين مبسوطين ....
متبوظليش ترتيب اليوم .... عايزاك تتأكد من حاجة واحدة بس، إن أنا بحبك ومش شايفة
إن فيه أي رجالة تاني على الكوكب غيرك ..... إنت الراجل الوحيد في نظري ...... وبحترمك
في عدم وجودك أكتر من وجودك ..... أو في الحالتين بحترمك جدا ...... أنا قصدي إني
باخد بالي أكتر وإنت مش معايا عشان بكون مطمنة وأنا معاك ...... فاهمني؟"
إستسلم عقله ورفع الراية البيضاء، فقد أخذ جرعته من عزة
النفس والإحترام المطلوبة، وفعلاً سيف لا يريد إفساد اليوم ولا إطفاء الحماس على
الرغم من عدم إطمئنانه كلياً، فمريض الشك لا يطمئن كلياً أبداً مهما حدث، عدم
الثقة في الناس غير مريحة على الإطلاق، حرب يخوضها يومياً وحيداً ضد المجتمع وإنحطاطه
الأخلاقي والثقافي، ولكن لا يريد إفساد فرحة بداية اليوم.
- "تمام"
كان قد إنتهى من إرتداء ملابسه ووصل لباب الشقة فأعطي
ناردين قبلة ما قبل الخروج من المنزل مع "بحبك" وتبعتها هي
بـ"بعشقك" و إنهالت عليه ببعض الدعوات "ربنا يخليك ليا و نفضل
دايما مبسوطين مع بعض و يا رب يكون يومك جميل كده زيك".
حياة جميلة يفسدها الشك الدائم، فناردين ترى إنها تفعل
ما عليها لكي تحتويه، فقد غيرت من ملابسها كثيراً، و خاصة أن ملابسها غير مبتذلة فقد
اعتادت عليها، و لكن هذا شيء يفهمه الشخص المدرك للفرق بين من ترتدي الملابس بقصد
الأغراء و يكون مبتذل و من ترتدي ملابس عادية تقيها من شرور الطقس الحار الذي نعيش
فيه فهذا لا يمت للابتذال بصلة و للأسف لا يدركه الغالبية، تحاول ناردين احتوائه
دائما و حبها له يجعلها تعبر كل المواقف القاسية و بعض من الكلمات الجارحة في حقها
منه و خاصة خلال رحلة تغيير نوعية ما ترتديه ليغطي معظم جسمها، تفهمت لأنها متضررة
من نفس الأمر، فمن المقزز تواجدها في مكان ما و معظم الرجال يفحصون جسدها و كأنها
مانيكان في فاترينة عرض محل لانجيري، ينظرون فلا يكتفون بالنظرة الأولي فينظرون و
يتفحصون و يدرسون و يتخيلون ثم يمعنون النظر و كأنهم يلتقطون صور عقلية ليحفظوها
في ذاكرتهم، و الجديد الآن إنه لا يكفي وجود رجل محترم كزوجها معها لكي يمنع
الأمر، بل يقل فقط، تفهمت الابتعاد عن الأماكن المزدحمة و تفادي بعض الطرقات و
الأماكن و المحلات و معظم الرجال و لكن روحها الحرة تقاوم على فترات متباعدة، فهي
جميلة من الأساس و لا ترتدي مستحضرات التجميل و جذابة من الأساس حتى في أبشع
ملابسها و جسمها لا يشوبه خطأ واحد حتي في الملابس المحتشمة، تفهمت و لكن لم تدرك
ماذا عليها أن تفعل.
ولم يختلف الأمر فيما يخص تصرفاتها بتلقائية، فهي في
النهاية تصرفات تلقائية فعلا وغير متعمدة، ولا تريد ناردين الانفصال التام عن
العالم فهي تحب الحياة والحرية وترضي بحياتها وبزوجها دون تتبع لحياة الأخرين ولكنها
اجتماعية تحب جلسات الأصدقاء والسمر والخروج والتمتع بالحياة ولا تحب العزلة أبداً
وبالفعل لكي ترضي سيف خسرت الكثير من أصدقائها بعد حبها له، معظم أصدقائها الشباب ولم
يسلم بعض البنات أيضاً من شك سيف فابتعدت عنهم، تفهمت ولكنها لم تدرك ماذا عليها
أن تفعل أكثر.
أنهى سيف آخر أيام أسبوع العمل المرهقة مبكرا و توجه
للمنزل، على الرغم من كرهه لها و لكنه يرتاد وسائل المواصلات العامة لكي يوفر ما
يكفي للأبليكيشن المحترم لأن ناردين تحب الخروج، و هو أيضا يحب الخروج مع ناردين و
يستمتع بكل دقيقة معها، فيوفر قدر الإمكان في مصاريفه الشخصية ليظل معه ما يكفي لإرضاء
ناردين، ليست متطلبة و لكن الأبليكيشن المحترم وحده يحتاج مرتب موظف محترم للانتقال
لفسحة بسيطة على النيل و الرجوع، لا يقتصر التوفير على ذلك فقط، و لكنه لا يأكل في
العمل، صحيح أن ناردين تجيد إعداد الوجبات المتنوعة، المفاجئة، الجديدة، الشهية و
غير المكلفة و لكنه ليس السبب الوحيد، فهو يريد التوفير لكي يدخر ما يكفي لتظل
الحياة متجددة بينه و بين ناردين و خاصة إنه لا يفطر صباحاً و يشرب القهوة فقط ،آخر
نقطة وصول للمواصلات العامة تحتم عليه السير لمدة لا تقل عن العشر دقائق ليصل
للمنزل، واليوم قد غادر مبكراً من العمل، فلم يستطع الصبر أكثر و هو من بداية يومه
في العمل تتردد في عقله "بحبك يا واد" و " مش شايفة إن فيه أي
رجالة تاني على الكوكب غيرك ..... إنت الراجل الوحيد في نظري" وطبعاً
"بعد الشغل يا أسطى" كلها مبشرات ومؤشرات على يوم آخر جديد في جنة نعيم
ناردين فأراد أن يفاجئها بالرجوع مبكراً، فأنهي المطلوب في العمل وأستأذن من مديره
وتحرك .... والآن قد ترك آخر وسيلة مواصلات وتأهب للسير.
ماذا يفعل في حياته ليرتاح، هل يقتل كل الرجال، فقد فعل
كل شيء تقريباً، عالج علته، حتى أنه تفادي تعامل ناردين مع الرجال، تركت وظيفتها
وتفرغت، ويتصدر المشهد مع أي رجل يضطرون للتعامل معه، الأمر مرهق بلا شك ولكنه لا
يستسلم، لا يستطيع أن يستسلم، قدرته المادية متوسطة ولأن كلمة متوسطة يختلف عليها
الكثيرين الآن فوجب التوضيح أن قدرته المادية أتاحت له أن يستأجر شقة في حي متوسط،
ليس شعبي ولكنه لا يقترب من جودة الأحياء الراقية، هداه فكره قبل ذلك أن السبب في
المكان، ولأن الحي غير راقي والناس غير معتادين على مثل هذه النوعية من الملابس،
ولكن حدث أكثر من موقف ليتأكد أن المنطقة حتي كونها راقية ليس تأكيداً إنها تخلوا
من المتحرشين.
تذكر سيف ما حدث في الحي الراقي عندما لاحظ تربص أحد
شباب المنطقة بناردين وبعد الاستقصاء والتحري علم أن أحد أقاربه من الطبقة الراقية
ويسكن في الكومباوند الراقي في فيلا راقية وذهب إليه هو وناردين بعد إصرار منها
لأنها تعلم إنه لن يدخل في شجار وهي معه ولكي تحكي الوقائع بنفسها للرجل الراقي
وعندما صارحه سيف "يا أستاذي الفاضل قريبك بيضايق مراتي في الرايحة والجاية
وميصحش كده، هيزنقني أضربه أو أبلغ عنه، أنا حبايبي كلهم في القسم، ومش هحتاج أوصي
عشان هو كده كده بيتعرضلها والمحلات كلها فيها كاميرات وواضح أنه بيضايقها كل أما
تعدي، بس قلت مضيعش مستقبله، ده شاب برضه، و جايلك تعقله"، تسائل الرجل
" هو عمل أيه، مش فاهم" ، رد سيف و قد بدأ ينفذ صبره " بيضحكلها في
الرايحة والجاية ويحاول يكلمها، يحاول يوقفها ويصبح ويمسي ومش سايبها في
حالها" ، تسائل الرجل "و أيه المشكلة؟"، بعد نفخة و تدليك للوجه رد
سيف و قد نفذ صبره فعلا" المشكلة يا أستاذنا إنه لما بيشوفني مش بيبصلي حتى،
ولا سلام ولا كلام، يبقى عايز منها أيه؟" رد الرجل الراقي بكل هدوء"
متزعلش مني يا أستاذ سيف بس أنا لو مكانه هعمل كده ..... زوجتك ما شاء الله جميلة،
و الكل يفتخر بمعرفته بيها، و لو على أشرف بلغ عنه عادي، ده واد صايع، ده أنا كنت
هبلغ عنه بس عشان ميقولوش ده بلغ عنه عشان الورث، زي مبقولك كده والله ده واد
صايع، وبيشرب حشيش، لو بلغت عنه كده كده هيتحبس، و خللي رقمي معاك إنت وأستاذة
ناردين" و أكمل كلامه ناظراً لناردين "عشان لو أحتاجتوني في أي وقت في
أي حاجة أنا تحت أمركم و أستاذة ناردين لو محتاجة أي شغل عندي في الشركة أنا عنيا
ليكوا و بالمرتب اللي تطلبيه"، و قد كان ما كان، حطم سيف الرجل الراقي بداخل
الكومباوند الراقي في وجود ناردين و في وجود الكاميرات حتى أخرجه أفراد الأمن
بطريقة راقية جدا بعد أن رفض الرجل تحرير محضر، و فور خروجهم نظر سيف لناردين
غاضبا وقال" عيلة وسخة، أنا لو مكانه هعمل كده – مقلدا صوت الرجل الأجش – فيه
جينات وساخة بتجري في العيلة من أساسها" بعد لحظات صمت أنفجروا ضاحكين على
الكوميديا السوداء التي يحملها الموقف برمته.
وعندما اتفقوا على تجربة المطعم الراقي الجديد ووافق سيف
على ارتدائها فستان أسود مفتوح الصدر كاشفا للظهر وبالطبع قصير وقد حرص على ارتدائها
معطف طويل مغلق طول الطريق وبالطبع استخدم الأبليكيشن المحترم ووصلوا بسلام.
وفي وسط العشاء والجو الرومانسي قاطعهم رجل أربعيناتي
موجها حديثه لناردين "مساء الخير، أنا حسام مدير الصالة هنا يا فندم بتمني
يكون الأكل عجب حضرتك" ترددت ناردين للحظة وحارت عينها بينه وبين سيف ولكنها
ظنتها طقوس المكان أو من أساليب الأتيكيت المتبعة التي لا تعلم عنها شيء فردت
"أه، الأكل تحفة، شكرا" فأستطرد" معلش لو ميضايقكيش سؤال بسيط،
البيرفيوم اللي حضرتك حطاه كنت عايز أعرف أسمه عشان مراتي ..... هيه الحقيقة مش
مراتي هي صاحبتي ...... عجبني أوي على حضرتك وكنت عايز أجيبهولها ..... الكارت ده
عليه رقمي وعليه واتس آب، فلو ممكن ........" قاطعه سيف " هو أيه اللي
عجبك يا حسام؟ مش فاهمك ...... هو أنا شفاف يا حُس؟ هل أنت كمدير للصالة شايف إن
أنا جاي مع مراتي عشان أحل مشاكلك مع صاحبتك ...... هو أيه اللي عجبك يا حسام م
ترد، داخل تكلم مراتي وتديها رقمك وأنا هوا، مش عيب كده يا حُس ...... إنت نمت مني
ولا أيه؟" رد حسام بصوت مهزوز "أنا آسف يا فندم إذا .........”، "
يللا يا حسام روح هات الشيك .......... إنجز أنت لسة هتتنح؟" رد حاسم، قاطع
........ وعالي، مصحوباً بضربة قوية على الطاولة أفزعت ناردين نفسها ولفتت
الأنظار، فأنسحب حسام بالكارت والرقم وأنضم المطعم لقائمة الأماكن المحظورة.
قاطع تفكيره أقترابه من محل هدايا قبل المنزل بشارعين،
يحب هو وناردين هذا المحل حيث يجيد صاحبه فن اختيار الهدايا الملائمة لناردين وسيف
....... مهلاً ...... هل هي ناردين حقاً تقف أمام المحل ..... مازال المحل بعيدا ولا
يرى بوضوح ولكن سيف لا يحتاج عينيه ليرى ناردين، يشعر بوجودها حتى لو على بعد آلاف
الأمتار ...... أقترب أكثر ...... مهلاً ..... هل يقف معها شاب طويل عريض الكتفين
أمام المحل؟ ...... مهلاً ..... هل يضحكون؟ ....... تسارعت دقات قلب سيف ومعها
خطواته فكاد يكون يجري ليتأكد من المشهد الذي يدور أمامه ...... أقترب أكثر ......
ناردين تكتب شيء على تليفونها وتشير للشاب فينظر لتليفونه ....... مهلاً .......
هل تبادلت ناردين للتو أرقام التليفون مع هذا الشاب الغير معروف وفي وسط الشارع
ومن المفترض أن تكون مع سمر في محل أنتيكا في الناحية الأخرى تماما من المنزل
...... اقترب أكثر وأكثر وظهرها إليه وسمعها، هذه المرة بدون شكوك، سمعها
بوضوح" هستناك تكلمني بقى ..... بس قبل خمسة بليز ...... بعد خمسة مش هينفع
خالص زي مفهمتك" رد عليها "خلاص متقلقيش بقى".
الساعة الخامسة موعد رجوع سيف من العمل.
وصل سيف ورأته ناردين، نظرت إليه وإلى الشاب وبدأت
الكلام ولكن رفضت أحبالها الصوتية الامتثال لأوامر عقلها، بدأ سيف كلامه بهدوء ما
قبل أسوء العواصف في تاريخ البشرية:
- " هيه دي سمر؟ هو ده أنتيكا؟ نقلوه إمتى؟"
أخيراً استجابت أحبال ناردين الصوتية ولكن بعد فوات
الأوان:
= "ثانية بس".
موجهاً كلامه للشاب قال سيف:
- " إزيك يا سمر؟ عاملة أيه؟"
* " سمر أيه يا أستاذ؟ إنت بتتكلم كده ليه؟"
لم يدم هدوء ما قبل العاصفة طويلاً، وبدأت العاصفة
وبأعلى صوت متاح عند الذكر البشري صاح سيف في العملاق:
- "أنا أتكلم زي م أنا عايز، إنت مين أنت؟ أنت عبيط
يللا؟"
= "أستني يا سيف ثانية"
* "عبيط؟ والله أنت اللي شكلك فيه حاجة في
دماغـ........"
لم يكن لباقي الكلام وجود، فبرغم فرق الطول وعلى الرغم
من فرق عرض الكتفين، كانت الضربة المزدوجة - من سيف بيديه و بكل ما يمكنه من قوة و
بدافع من الأدرينالين و هرمونات الذكورة و في منتصف صدره – كفيلة لإنهاء النقاش و
لإفقاد العملاق توازنه و سقوطه على الأرض بعد أن تعرقل في درجة مرتفعة أمام المحل،
و لم تمر لحظات حتى تدخل الرجال القريبين ليمثلوا حاجزاً بين الطرفين لكي يمنعوا
حدوث ما هو أسوأ، موزعين بعض الجمل المشهورة بالتساوي بين سيف و الشاب العملاق
"وحدوا الله" " ميصحش كده" " الله الله الله "
"حصل أيه بس" " ده محل أكل عيش" " حصل خير يا
أستاذ" إهدي بس و أستعيذ بالله من الشيطان" و قاموا بإبعادهم عن بعض
بمسافة آمنة و تنحت ناردين جانباً مذهولة و مرعوبة و حتى لا تسوء الأمور أكثر
متمنية و داعية أن ينتهي الأمر عند هذا الحد حتى لا يؤذي سيف نفسه أو أن يتسبب في
عاهة لشخص ما أو الأسوء، تراجع العملاق قائلاً " مش عارف ماله ده ...... هو
داخل يتخانق كده، أنا مش فاهم حاجة والله العظيم"، و علم سيف أنه لن يصل إليه
مرة أخرى بسبب كثرة المحيطين .... فنحن مجتمع نعشق التجمعات ..... يتجمع فردين أو
ثلاثة لفض الأشتباك ويتجمع آخرون ليتابعوا الحدث وعندما يصبح تجمعاً كبيرا يتجمع
آخرون ليعرفوا سبب التجمع فيصبح تجمع أكبر، والسبب قد أنتهي من البداية، أدرك سيف
هذا فتراجع قائلاً “مش هسيبك ..... بس هصطادك في الروقان" ومشى بعيدا وتوجه لناردين
" يللا يا هانم .... حسابنا في البيت"سارت خلفه خائفة ترتعش وغلبت عليها
مشاعر الإحراج وغلب عليهم الصمت، صمتها صمت خوف وصمته صمت محارب لم يستعد أرضه
المنهوبة بعد.
لم يدم الصمت طويلاً، فبمجرد دخولهم من باب الشقة وإغلاق
باب الشقة خلفه حتى بدأت ثورة الشك الأخيرة:
-"كام مرة أتنيل أقولك طالما قايلالي إنك في مكان
يبقى مينفعش أشوفك في مكان غيره حتى لو حصل زفت ظروف تعرفيني الأول؟ إنتي مش قايلة
هتقابلي سمر وهتروحوا أنتيكا؟ أرجع من شغلي بدري ألاقيكي نازلة تتشقطي في الشارع وكلمني
قبل خمسة بليز؟"
= "أنت بتقول إيه؟" مصدومة
- " اللي بقوله هو اللي سمعتيه، عايزاه يكلمك قبل
خمسة وسامعها بوداني، قبل المغفل م يرجع؟ قبل اللي مش معرفاه إنتي فين يقفشك، صح؟
= في حالة ذهول تام مما تسمع " يقفشني؟ إنت مجنون؟
هو أنا عملت أيه؟ إنت بتتكلم كده ليه أصلا؟"
- عملتي إيه؟ راجع من شغلي بدري ألاقيكي واقفة مع عيل
وسخ بتضحكوا مع بعض و بتاخدي رقمه و ترنيله و كلمني قبل م الحمار م يرجع زي
مفهمتك، هو ده اللي عملتيه"
= إنهارت حصونها و أنهارت في البكاء " إنت أكيد
مجنون، أنا ماشية و مش هتشوف وشي تاني"
- " خدي هنا – جذبها من يدها – أنا من حقي
أعرف"
خفت الذهول وتحطمت الصدمة وبدأت ثورة البكاء الهستيري
المضادة:
= حقك ..... ماشي ...... هديك حقك ...... وهاخد حقي ...... وحقي إنك تعاملني بإحترام يا إما تخرج من حياتي ..... هرد عليك مع إني مش مضطرة أبرر حاجة بس و ديني هتبقى آخر مرة تشوفني فيها ...... أولاً، سمر بنتها تعبت و راحت بيها للدكتور، ثانيا، اللي كان بيشقطني ده اللي شغال في المحل، عشان أنا أصلا نازلة أجيبلك هدية عيد ميلادك اللي هو بكرة – نظر في ساعته ليتأكد من التاريخ – و عشان خارجين و هنسهرعايزة أديهالك الساعة 12 و عشان عملاهالك مخصوص قاللي هتستلميها بعد ساعة و كنا برة المحل عشان أشاورله في الفترينة أنا عايزاها أنهي شكل و مكتوب عليها بأنهي خط و إديتله رقمي عشان يرنلي أما تجهز عشان منزلش بدري و تكون مجهزتش فأفضل واقفة و جوزي المحترم يتضايق، و يخلصها قبل خمسة عشان عايزة أعمل مفاجأة للراجل اللي كنت فاكراه بيحترمني، عرفت يا سيف؟ عرفت دلوقتي؟ حقك تعرف؟ وديني م أنا قاعدالك فيها، عشان مش هقبل الأهانة دي تاني، كفاية أنك لميت علينا الشارع كله، أنا تعبت وقرفت، إنت لو شاقطني من الشارع مش هتعاملني كده، مش هسمحلك تدوس على كرامتي وشرفي تاني....... خلصت يا سيف ..... خلصت.
شاركونا أرائكم في التعليقات
الجزء الثاني
https://fel3omkfann.blogspot.com/2023/12/blog-post_17.html
تابعنا على الفيس بوك لتتابع الجزء الثاني وكيف كان من الممكن أن تكون النهاية أفضل لو أن ناردين وسيف تعاملوا مع الموقف بشكل مختلف.
https://www.facebook.com/Fel3omkFann
جرس خطر و تنبيه هام: السرد الروائي غير كافي لمعالجة المشكلات النفسية، إن كنت تعاني من إحدى المشكلات المعروضة أو تعرف من يعاني فعليك بالتحدث لشخص ما و إستشارة طبيبك النفسي، أو اللجوء لإحدى مراكز الإرشاد الأسري أو قم بمراسلتنا و سنقوم بترشيح أحد المختصين لك.

Comments
Post a Comment